مجد الدين ابن الأثير

364

المختار من مناقب الأخيار

وقال إبراهيم القصّار الرّقّي : جاءني فقير من أهل بغداد يسألني عن أبي الحسين النّوري ، فقلت له : تسألني عن رجل قد أدهشنا ! له عندنا ثلاث سنين ، لم يكلّم أحدا من الناس سنة ، وسنة يدور حول البلد ، وسنة اكترى بيتا لم يخرج منه إلا لصلاة الفرض . فقال : نعم إيّاه أريد . فدللته عليه ، فلقيه النّوري فقال له : من صحبت ؟ قال : صحبت أبا حمزة . فقال له النوري : الذي يشير إلى القرب ؟ قال : نعم . فقال النوري : إذا أنت لقيته فأقرئه مني السلام وقل له : يقول لك أبو الحسين النّوري : قرب القرب فيما أشير إليه بعد البعد . وروي أنه خرج ليلة من بيته فوجد حارسا وقد تعلّق برجل وامرأة خلف الدّرب وهو يقول لهما : لا بدّ أن أرفعكما إلى الوالي . فدنا منهم النّوري وقال للحارس : خلّ عنهما . فأبى ، فضمن له شيئا ، فأبى ، فأخرج له من كمّه منديلا فيه دراهم ، ونزع رداءه ودفع الجميع إليه وقال له : خلّ عنهما وخذ هذا كلّه لك ، وأنا أجيء معك إلى الوالي فسلّمني إليه بما شئت . فقال الحارس : على شرط أنّك لا تنكر ما أقول فيك . فقال النّوري : نعم . فأخذ ذلك منه وخلّى عنهما ، وكتّف النّوريّ وجعل كمّه في عنقه وهو يقوده حتى بلغ باب دار صاحب الشّرطة ، فأدخله عليه وقال : إني رأيت هذا البارحة مع امرأة خلف باب الدّرب . فقال الوالي لأبي الحسين : ما ذا يقول الحارس ؟ قال : صدق ، كنت أنا وهو وامرأة . فقال الوالي : ليس وجهك وجه من يفعل هذا ! ثم قال للحارس : اصدقني وإلا عاقبتك . فحدّثه الحديث وصدقه . فتاب الوالي وتنسّك الحارس ومضى النّوري إلى مسجده . وقال المغازلي : صحبت جنيدا ثلاثين سنة ما سمعت منه لفظة غلطا ، وصحبت النّوريّ ثلاثين سنة ما سمعت منه لفظة غلطا . وسمعت النوريّ يقول : اشتهت عليّ الصّبية شيئا من التفاح ، فجئت